وصفت صحيفة "الجارديان" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه في أضعف حالاته في الوقت الراهن، مشيرة إلى تراجع شعبيته فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، والتي ستكون بمثابة استفتاء على ولايته الثانية.
وأعادت الصحيفة إلى الأذهان أجواء ما قبل حرب العراق منذ أكثر من 23 عامًا، والحجج التي كانت تساق آنذاك لتبرير غزوه، وذلك تزامنًا مع الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، المتواصل منذ أسبوعين.
وقالت: "في الفترة التي سبقت غزو العراق عام 2003، قدّم أعضاء إدارة جورج دبليو بوش حججًا مُفصّلة ومتكررة وعلنية لتبرير الحرب. وكتبت مستشارة الأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، التي لعبت دورًا رئيسًا في الموافقة على استخدام أسلوب الإيهام بالغرق مع المعتقلين في خليج جوانتانامو، مقالاً افتتاحيًا في صحيفة نيويورك تايمز زعمت فيه أن العراق يكذب بشأن ما يُسمى "أسلحة الدمار الشامل".
وأشارت إلى أنه في هذه الأثناء، توجه كولن باول، وزير الخارجية آنذاك، إلى اجتماع مجلس الأمن في نيويورك. هناك، أمام أمريكا والعالم أجمع، رفع قارورة صغيرة تحوي مادةً يُفترض أنها تمثل الجمرة الخبيثة، وهي سلاح كيميائي أرعب الولايات المتحدة في سلسلة من الهجمات البريدية قبل أكثر من عام بقليل؛ وادعى باول أن العراق يمتلك هذا السلاح ومستعد لاستخدامه. وكان بوش نفسه يخاطب الشعب الأمريكي بانتظام، مبررًا الحرب.
لكن الصحيفة قالت: "اتضح لاحقًا أنهم جميعًا كانوا يكذبون، لكن الكذبة كانت تخدم غرضًا: فقد كانت بمثابة تنازل لفكرة أن للشعب الأمريكي رأيًا في ما إذا كانت بلاده ستخوض الحرب أم لا".
إدارة ترامب لم تحصل على موافقة الكونجرس
وأوضحت: "هذه المرة، لم يكن هناك أي تنازل من هذا القبيل. شنت إدارة ترامب حربًا على إيران دون أي محاولة منظمة لإقناع الرأي العام الأمريكي بعدالة مسار عملها، ودون أي جهد للحصول على الموافقة الدستورية المطلوبة من الكونجرس، ودون أي محاولة لتقديم تبرير منطقي ولو بسيط لقرارها".
وذكرت أن ما وصفته بالاسم السخيف "عملية الغضب الملحمي"، الذي أطلقته وزارة الدفاع بقيادة بيت هيجسيث على الحرب، تم تفسيره الآن على أنه رد على العدوان الإيراني؛ وكبح للبرنامج النووي الإيراني (الذي زعم ترامب أنه "دمره" بضربات في يونيو الماضي)؛ ودفاعًا عن النفس؛ وأمرًا كان على الولايات المتحدة القيام به لأن إسرائيل كانت تخطط لبدء حرب على أي حال.
وأبرزت الصحيفة ما ردده حلفاء آخرون للنظام بأن التصعيد الجديد للقوة العسكرية لم يكن في الحقيقة سوى اعتراف بحقيقة أن إيران كانت في حالة حرب مع الولايات المتحدة لمدة 47 عامًا، وهي حجة سرعان ما استحضرت المقارنات مع الكذبة الشهيرة التي روج لها نظام الأخ الأكبر في رواية جورج أورويل 1984: "لقد كنا دائمًا في حالة حرب مع أوراسيا".
عجز ترامب عن تبرير الحرب
واعتبرت أن أحد أسباب عجز ترامب عن تبرير حربه المختارة ضد إيران هو أن السبب الحقيقي غير مريح له للاعتراف به: فالحرب بمثابة تشتيت للانتباه. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، والتي ستكون بمثابة استفتاء على ولايته الثانية، تتراجع شعبيته بشكل ملحوظ ؛ إذ لم يحقق أي نسبة تأييد إيجابية منذ أكثر من عام، ولم تُسهم الحرب على إيران حتى الآن في رفع شعبيته بأي شكل من الأشكال.
وتابعت: "لا يزال مكروهًا على نطاق واسع، ومن المفارقات المستمرة لدى الأنظمة الاستبدادية أن قدرتها على فرض إرادتها على الشعب تعتمد على تأييد شعبي واسع. ولا يستطيع ترامب ترسيخ نظامه الاستبدادي لأنه ببساطة لا يتمتع بشعبية كافية لتحقيق ذلك".
وأشارت إلى أن هذا الضعف الجوهري في صميم نظام ترامب يتفاقم بفعل تدهور الاقتصاد، فعلى الرغم من أن دعمه الأساسي ينبع من استثمارات حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" في إشباع نزعات عنصرية وجنسية، فقد فاز ترامب بأصوات الناخبين المترددين في عام 2024 مستفيدًا من موجة عالمية من المشاعر المناهضة للمؤسسة الحاكمة، ومن شعور واسع النطاق بالقلق إزاء التضخم وسوق العمل الراكد.
تزايد البطالة في أمريكا
لكن بعد مرور أكثر من عام على عودة ترامب إلى السلطة، ذكرت "الجارديان" أن البطالة تتزايد في أمريكا: فقد أظهر أحدث تقرير للوظائف صادر عن مكتب إحصاءات العمل أن الولايات المتحدة فقدت 92 ألف وظيفة مذهلة في فبراير، وقام بمراجعة تقديرات الأشهر السابقة لرسم صورة أقل وردية للاقتصاد الأمريكي.
ومن غير المرجح أن تتحسن هذه الأرقام في أي وقت قريب، كما تشير الصحيفة، لافتة إلى أنه "الآن بعد أن اتخذ ترامب خيارًا غير عقلاني ويبدو أنه متسرع لشن حرب على إيران، فمن المرجح أن تؤدي أسعار النفط المرتفعة والحصار الإيراني لمضيق هرمز إلى ارتفاع الأسعار، وجعل الشركات الخائفة أقل رغبة في التوظيف، وعكس التقدم الذي تم إحرازه لإبطاء التضخم".
وفي غضون ذلك، ومع تدهور الاقتصاد وتزايد أعداد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة، باتت سياسة ترامب الداخلية لا تحظى بشعبية، بينما يحقق خصومه بعض المكاسب. فبعد مقتل رينيه جود وأليكس بريتي على يد عناصر إدارة الهجرة في مينيابوليس، فرض الديمقراطيون إغلاقًا جزئيًا لتمويل وزارة الأمن الداخلي في محاولة لفرض قيود على ممارساتها، واضطر ترامب إلى إقالة وزير الأمن الداخلي وسط الجدل الدائر حول تصرفات الوزارة.
الترحيل الجماعي
في غضون ذلك، قالت الصحيفة إن سياسة التطهير العرقي المتمثلة في "الترحيل الجماعي"، التي روّج لها ترامب خلال حملته الانتخابية عام 2024 أدت إلى مشاهد من القسوة والإرهاب العبثيين أثارت غضب الرأي العام. حتى السياسيين الجمهوريين يعارضون الآن السماح لوزارة الأمن الداخلي ببناء معسكرات اعتقال للمهاجرين في دوائرهم الانتخابية؛ وفي الوقت نفسه، ينصح البيت الأبيض سرًا مرشحي الكونجرس الجمهوريين بالتوقف عن الترويج لـ"الترحيل الجماعي" في حملاتهم الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو اعتراف ضمني بأن هذه السياسة فاشلة سياسيًا، كما تقول الصحيفة.
وحذرت من أن المزيد من الإخفاقات السياسية في الطريق، "ثمة خللٌ ما في ولاية أمريكا: حلفاء ترامب ومرؤوسيه ووزرائه يتصارعون فيما بينهم. صحيحٌ أن توم هومان، المسؤول عن الحدود، انتصر في صراعه على كريستي نويم، لكن لا يوجد ما يضمن أن يكون خليفتها، السيناتور ماركواين مولين من أوكلاهوما ، وزيرًا للأمن الداخلي أكثر مرونة".
وخلصت الصحيفة إلى أن ترامب يقدم على شن حرب خارجية، لأنه ضعيف. ولأن العمل العسكري الخارجي هو أحد الخيارات القليلة المتبقية أمامه، واصفة إياه بأنه "رئيس فاشل ذو هامش مناورة ضيق، عاجز عن تنظيم تحالفه، وعن توطيد حكمه، وعن فرض إرادته".
وختمت الصحيفة محذرة: "لقد اعتقد كثيرون ممن يطمحون إلى الحكم الاستبدادي أن حربًا خارجية سريعة وسهلة هي ما يحتاجونه لحشد تأييدهم في الداخل. على ترامب أن يتأمل في مصيرهم".
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/mar/13/trump-iran-weakness

